محمود سالم محمد
346
المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي
وقد شهد العصر المملوكي اتساع دائرة النظم ، فلم تعد مقتصرة على الشكل الشعري الذي عرف إلى ذلك الحين ، وإنما شملت فنونا جديدة ، معظمها ملحون . ويلاحظ أن فنون النظم الملحونة قد تساوت عندهم مع فنون النظم المعربة ، وهذا يدل على شيوع النظم بلهجتهم الدارجة ، وعلى انفعال الناس به ، واقترابه من أذواقهم وأفهامهم ، وإن كان ذلك مما أفسد أذواق الناس ، وقعد بهم عن التطلع إلى الفصحى والتمتع بجمالها ، ولا بد أنهم نظموا في هذه الألوان الملحونة المواضيع الدينية ، ومنها المديح النبوي ، ولكننا سنضرب صفحا عنها وعن أمثلتها ، لأن العامية لم تكن لغة لها آدابها التي تزاحم الفصحى وآدابها ، ولن تكون مزاحمة لها ، ولن نسمح أن تكون كذلك بإذن اللّه تعالى . ومن الفنون المعربة التي شاعت آنذاك ، وكانت معروفة من قبل الموشح ، ذلك التلوين الجميل للشعر العربي بإيقاعاته التي تلائم الموسيقا والغناء ، والذي لامس العامية في خرجته ، والذي عرف بأنه فن الغزل والخمر والزهر ، إلا أنه استخدم للتعبير عن الموضوعات الشعرية المعروفة في الأدب العربي ، أو كما قال ابن سناء الملك : « الموشحات يعمل فيها ما يعمل في أنواع الشعر من الغزل والمدح والرثاء والهجو والمجون والزهد ، وما كان منها في الزهد ، يقال له المكفّر ، والرسم في المكفّر خاصة أن لا يعمل إلا على وزن موشح معروف وقوافي أقفاله ، ويختتم بخرجة ذلك الموشح ، ليدل على أنه مكفّره ومستقيل ربه عن شاعره ومستغفره » « 1 » . والموشح ملائم للإنشاد والغناء في مجالس الذكر ، وفي الاحتفالات ، فلماذا لا يفيد منه شعراء المديح النبوي ، ويضعون بعض مدائحهم في قالبه ؟ هذا ما فعله مدّاح النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وخاصة في الأندلس والمغرب العربي ، فوضعوا
--> ( 1 ) ابن سناء الملك : دار الطراز ص 51 .